رحلة الحج أيام العثمانين كانت تستغرق ستة وثلاثين يوماً في الذهاب

كان الحج دائماًَ موضع اهتمام المسلمين وكان الخلفاء ومن بعدهم الملوك والأمراء يولون هذه الشعيرة العظيمة اهتماماً كبيراً وبعضهم كان يحرص على الخروج على رأس الحجيج بنفسة، وكان أبو بكر الصديق أول من تولى إمارة الحجيجة فى الإسلام عندما ولاه الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك فى العام التاسع للهجرة ثم خرج الرسول بنفسه على رأس الحجيج فى العام التالى فى ” حجة الوداع ” وفى كتابها ” إمارة الحج فى العصر العثمانى ” .

ترصد الباحثة سميرة فهمى على عمر الكثير من التفاصيل الشيقة عن رحلات الحج فى هذا العصر فبعد أبى بكر الصديق توالى الخلفاء والملوك عليها حتى العصر العباسى الثانى وبسقوط الخلافة العباسية درج أقوى أمراء المسلمين كمماليك مصر وسلاطين أل عثمان على إقامة أمير للحج يقود الحجيج من مصر كل عام ، ومنذ ذلك الحين أصطبغ المنصب بصيغة دنيوية واضحة وفى العصر الممولكى انقسمت إمارة الحج إلى أمير الركب وأمير ركب المحمل وبدخول العثمانيين مصر 1517تم ضم القافلتين في قافلة واحدة.

حمل أميرها لقب أمير ركب المحمل وفى ظهر 1527 لقب أمير الحج وفى السنوات الأولى من القرن 16 منح منصب إمارة الحج لاثنين من الموظفين وبسبب تعرض القافلة لاعتداء البدو عام 1518 عين قائد عسكرى مملوكى أميرا للحج وبين عام 1519 ونهاية القرن 16 اسندت الإمارة لأشخاص مختلفين بينهم حكام ولايات وباشاوات ومشايخ بدو.

وغيرهم وشهدت الفترة من أواخر القرن 16 لأواخر القرن 17 بَدْء اختلال الإدارة العثمانية فى مصر وعودة نفوذ القوى المحلية وفى مقدمتهم المماليك وكان من المناصب التى تولوها إمارة الحج وكان تعرض القافلة لاعتداء البدو يعنى بالضرورة تعيين قائد عسكري لإمارتها في العام التالى مباشرة وخلال القرن 18 كان المنصب موضع منافسات ضارية بين البيوت الممولكية الكبيرة، كان أمير الحج دائماً يتم تعيينه من خلال مراسم مشهودة ففى العصر المملوكى.

كان يعين فى يوم المولد النبوى الشريف بحضور سلطان المماليك أما فى العصر العثمانى فكان يعين بمرسوم من السلطان يتلى فى احتفال خاص يرأسه الوالى ويقوم بنفسه بمنحه ” الخلعة ” ثم ينزل أمير الحج من القلعة فى موكب فاخر ، ويصف المؤرخ المصري المعروف ابن إياس تفصيلياً واحدا من هذه المواكب حيث خرج الأمير ومعه الأعيان والأمراء وقاضى القضاة ، فزينت القاهرة بالشموع والقناديل ورشت الشوارع بالماء فكان ” مثل مواكب السلاطين “.

وكان لأمير الحج إيرادات من موارد متعددة أولها من الخزانة المصرية وتسمى  ” المساعدة القديمة ” وبلغ دخله منها فى القرن 16 حوالى 450 ألف بارة والبارة مقدارها نصف فضة، ولفترات منح أمراء الحج حكم بعض المحافظات لاستخدام إيراداتها فى تغطية التزامات القافلة ، وكان من موارد أمير الحج أيضاً ما سمى ” ضريبة المضاف ” وهى ضريبة إضافية كانت تفرض أحياناً لسد عجز ميزانية إمارة الحج ، وفى القرن 17 بلغ ما يحصل عليه الأمير منها سنوياً حوالى 2 مليون ونصف بارة وكان النوع الثالث من الإيرادات مساعدة الأوقاف وهى من عائد بعض القرى الموقوفة لأنفاق وعائدها على القافلة وكان الأمير يحصل كذلك على إيراد من الخزانة الإرسالية أي فائض الميزانية السنوي الذى كان يرسل للسلطان العثمانى، ونظراً لضغط أمراء الحج لطلب زيادة عما يحصلون عليه سمح لهم بفرض ضريبة على البن والبهارات وقد تطور تكوين القافلة.

خلال العصر العثماني وكان أول مقدمات الحج خروج موكب المحمل يحمل كسوة الكعبة المشرفة وكانلها موكبان فى رجب ليعلم الناس أن طريق الحج آمن هذا العام وفى شوال لتذكير الراغبين باقتراب الموعد وكان العثمانيون يهتمون بالمحمل اهتماماً كبيراً تقديراً لفضل الكعبة المشرفة التي تأثر الاهتمام بها بالأحوال الاقتصادية عموماً، ففي عهد السلطان سليمان القانوني بالغ فى تزين الكسوة حتى جعلها موشاة بالجواهر، غير أن الأحوال الاقتصادية المضطربة في القرن 18جعل تجديدها يتم مرة واحدة كل خمس أعوام ولكون الحج براً أكثر الوسائل شيوعاً آنذاك كانت مصرنقطة تجمع مفضلة لحجاج بلاد عديد فكانت القافلة تضم حجاج شمال أفريقيا حتى المغرب، وبعض حجاج شمال أفريقيا حتى السنغال وأحياناً كان بعض يفضلون البقاء في مصر.

ربما لسنوات لطلب العلم أو التجارة وكان من حجاج غرب أفريقيا حجاج الفور وكانت إمارة مستقلة تقدم للحرمين الشريفين كل عام ” محملاً ” ينضم للمحمل المصرى ، ومنهم كذلك الحجاج التكرويون وكان بعضهم يتتبع مسار نهر النيل من الجنوب وبنضم للقافلة ، ولا توجد معلومات دقيقة عن عدد الحجاج آنذاك وفى عام 1737 قدر عددهم بحوالى 40 ألفا وكان الحجاج يسلكون إلى مكة المكرمة طريقاً برياً سمى الدرب المصرى وكانت السويس محطة مهمة على هذا الدرب وكانت القافلة تصل إليها بعد حوالى ثلاثين ساعة من الخروج من القاهرة إذ كان الجمل يسير بسرعة أربعة كيلو مترات في الساعة، وبعد السويس كان الحجاج يمرون بمنطقة ” النابغة ” وفيها أحساء يتزودون منها بالماء العذب.

العثمانين
الحج

وفى منتصف المسافة بين السويس والعقبة تأتى محطة ” نخل ” حيث تتوقف القافلة لسقاية المحمل وتجديد مئويته وبعد عدة  محطات كانت القافلة تمر في منطقة مغاير شعيب نسبة إلى نبى الله شعيب عليه السلام مروراً بوادى مدين وعلى مسافة 230 كيلوا مترا جنوب العقبة كانت القافلة تمر بمحطة المويلح حيث يترك الحجيج جانباً من أمتعتهم ليعودوا لأخذها فى طريق عودتهم .

حتى الوصول إلى ينبع كانت القافلة تمر بعدة محطات الأزلم، اصطبل عنتر، وادى الآراك، الوجه، العقبة السوداء وادى الحنك الحوراء، مضيق العقيق، نبط، والخضيرة وفى الربع الأخير من الطريق كانت القافلة تدخل ينبع وكانت توصف بوصاف منها أول بلاد الحجاز العامرة، وثغر المدينة المنورة وتمر القافلة بعد ذلك بمحطات : السقيف، بدر، مستورة، رابغ.

وهى موضع ميقات الحج المصرى فكان الحجيج يحرمون هناك فى الجحفة فإذا وصلت القافلة إلى عقبة السويس آذاب أمراء الحج السكر وقدموه للحجاج فرحاً بسلامة الوصول ولذا سماها البعض ” عقبة السكر ” وبعد هذه العقبة تأتى محطات ” خليص ، عسفان ، وادى مر أو وادى فاطمة ومنه كانت القافلة تتجه إلى مكة وكانت رحلة الذَّهاب تستغرق 36 يوماً.

التعليقات مغلقة.