الدين للديان والدولة للساسة

الدين للديان والدولة للساسة
الدين للديان والدولة للساسة

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الدين للديان والدولة للساسة, اليوم الأحد 1 ديسمبر 2019 02:52 صباحاً

اشترك لتصلك أهم الأخبار

حين عانى النبى محمد، صلى الله عليه وسلم، مرضه الأخير، أدرك أنها النهاية وأدرك ذلك المحيطون به، كانت مظاهر الأعياء وتداعى صحته تشير إلى أن الشفاء بعيد، هنا كان سؤال المستقبل يشغل الجميع، بدءاً من النبى نفسه، طبقا لما ورد فى سيرة ابن هشام، وجدنا الرسول فى آخر مرة يخرج فيها إلى المسجد وكان أبوبكر يصلى بالناس، بعد الصلاة تحدث النبى إليهم قائلا: «إنى والله ما تمسكون علىّ بشىء، إنى لم أحل إلا ما أحل القرآن، ولم أحرم إلا ما حرم القرآن»، وجاء فى طبقات ابن سعد أنه طلب دواة وصحيفة «أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا»، وحدث لغط حول النبى بسبب ذلك، وهو ما جعله ينصرف عن طلبه، وقد توقف كثير من المؤرخين عند ذلك الموقف، أما مؤرخو الشيعة فقد أسرفوا فى تفسير الواقعة وأقاموا عليها استنتاجات كثيرة، منها أن النبى كان سيوصى لعلى ولذا لم يستجب المحيطون بالرسول، وهذا مستبعد، فقد كان العباس عم الرسول يتواجد باستمرار إلى جوار الرسول، وما كانت السيدة فاطمة الزهراء، زوجة على، بعيدة عن والدها، بل إن الرسول أسرّ إليها بما أبكاها ثم أفرحها، ولو أن الرسول كان يود أن يذكر شيئاً يتعلق بالإمام على وآل البيت لقاله.

سؤال المستقبل لم يكن غائبا عن العباس وعن على، فقد حدث أن أفاق الرسول قليلا من مرضه وخرج على ليبشر الناس باستعادة الرسول صحته، لكن العباس كان له رأى آخر، وهو أنه يعرف الموت فى وجوه آل عبدالمطلب وأنه رأى الموت فى وجه النبى، لذا طلب من على أن يدخل على الرسول فى سؤال محدد وهو «اذهب بنا إلى رسول الله فلنسأله فيمن هذا الأمر من بعده، فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان فى غيرنا كلمناه فأوصى بنا».. لكن عليًا كان أكثر حصافة وبعد نظر من عمه العباس ورفض مطلبه نهائيا.. «والله لئن سألناها رسول الله فمنعنا منها لا يعطيناها الناس أبدا، فوالله لا نسأله»!!

كان العباس يريد أن يطمئن إلى قادم الأيام، بالتأكيد يود أن يكون الأمر «فينا»، والضمير هنا يعود على أقارب الرسول من الهاشميين، ومن الناحية العملية العباس أو على، ولما كان على صغير السن، لم يكن قد بلغ الثلاثين أو بالكاد تجاوزها فى أقصى تقدير، وهى سن لا تجعل العرب يعطونه الإمارة، ولذا ستذهب إلى العباس، لأنه عم الرسول، صحيح أنه أسلم متأخرا لكنه فى النهاية «عمه»، أما على فقد خشى أن يرفض الرسول بأن يعهدوا إليه أو إلى عمه بالأمر من بعده، فيأخذها المسلمون على أنها نوع من التحريم، فيصبح من المستحيل عليهم ولاية الأمر فى أى وقت، والحق أن هناك إشارة صدرت من الرسول بأنه لن يعهد لأحد فى شؤون السياسة، هو القائل: «أنتم أعلم بشؤون دنياكم»، ومن يتابع كلمات النبى فى أيامه الأخيرة منذ أن فاجأه المرض يجد أن معظمها مرتبط بالدين، ولو أنه أراد أن يوصى بأحد من البشر لأوصى بزوجته السيدة عائشة، التى استأذن زوجاته أن يذهب إلى غرفتها دونهن أيام مرضه، ولو أنه، صلى الله عليه وسلم، أراد أن يوصى لأحد، كائنا من كان، ما منعه أحد عن ذلك، كيف وقد واجه قومه بالدين الجديد وتحمل العنت منهم؟ سوف نلاحظ أنه أوصى، وصية عامة، بالأنصار، وتلك إشارة منه ومعرفة بأن الأمر سيكون فى المهاجرين.

أما فى شؤون الدين فقد عهد لأبى بكر أن يؤم المصلين، ولما أرادت عائشة أن تصرف هذه المهمة عن والدها بدعوى أنه رجل رقيق ومن شدة الحزن لن يُسمع صوته، رفض وأصر على مطلبه، ثم راجعته مرة ثالثة فرفض بصرامة، وفيما بعد قالت السيدة عائشة إنها كانت تريد أن تمنع والدها عن هذا المشهد، حتى لا يتشاءم منه الناس أن تكون إمامته للصلاة فألًا غير طيب وإشارة مبكرة إلى وفاة الرسول، أى أنها لم تكن تراجع زوجها لأن والدها خفيض الصوت أو «رجل أسيف»، كما قالت له، ولعل رسول الله فهم مقصدها، لذا لم يستجب لها، هنا كان بإمكانه أن يطلب من على أن يؤم المصلين لو أنه رآه خير من يقوم بهذه المهمة.. إذن كان على حصيفا وسياسيا وبعيد النظر فى هذا الموقف.

والواضح أن سؤال المستقبل كان يشغل الأنصار، لذا ما إن أُعلن عن وفاة الرسول حتى بادر الأنصار بمبايعة سعد بن عبادة، وبمجرد أن بدأت عملية المبايعة انطلق من أنبأ أبا بكر وعمر بما يجرى قائلاً هناك «فتنة»، فذهبا إلى السقيفة وفى الطريق لحق بهما أبوعبيدة بن الجراح.

كان سعد بن عبادة مصمما على موقفه، ولم يكن يريد أن يؤول أمرهم إلى المهاجرين، وكاد يُفلح لولا أن الصراع القديم والكراهية السابقة بين الأوس والخزرج أطلت من جديد، فقد انحاز الأوسيون إلى أبى بكر وعمر ضد سعد بن عبادة، واللافت أنه ما إن جرت بيعة أبى بكر واندفع الناس فوطئوا سعد بن عبادة بأقدامهم، وإذا بعمر يلتفت إليهم ويطلب منهم أن يقتلوه فهو «رأس الفتنة». سوف يُقتل سعد فيما بعد فى بلاد الشام وتُنسب الجريمة إلى «الجان»، والغريب أن الجان وضعوا قصيدة يتفاخرون فيها بمقتله.

هنا أين كان أبوسفيان؟!

لم يكن من الدائرة المقربة من الرسول، ولم يكن من ذوى الثقل فى تلك اللحظة، لكنه كان يراقب ويتابع جيداً، وذهب ليتحالف مع الهاشميين أو مع العباس وعلى، خاصة بعد الموقف الصارم الذى اتخذه أبوبكر من مطلب فاطمة بميراثها فى «فدك»، ورفض أبوبكر تماما اعتمادا على أنه سمع النبى يقول: «نحن الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة»، وقد أغضب ذلك الموقف فاطمة وعليًا، لكن المعنى كان أبعد من ذلك، فإذا كانت الممتلكات المادية للنبى لا يرثها أحد من أفراد أسرته وتذهب لعموم الناس من الفقراء والمعوزين، فهذا أدعى إلى أن معايير النبوة وما تنطوى عليه من قضايا روحية لا تورث كذلك، بل هى ملك لعموم الناس يتأسون بها.

وهكذا ذهب معاوية إلى الاثنين الكبار فى البيت النبوى، العباس وعلى، مخاطباً ومحرضاً: «يا على وأنت يا عباس ما بال هذا الأمر فى أذل قبيلة من قريش وأقلها؟ والله لو شئت لاملأنها عليه خيلا ورجلا وأخذتها عليه من أقطارها»، فرد عليه على بحسم: «لا والله لا أريد أن تملأها عليه خيلا ورجلا، ولولا أننا رأينا أبا بكر لذلك أهلا ما خليناه وإياها».

كلمات أبى سفيان تكشف عن رجل مازال يفكر بالعقلية القديمة أو منطق القبيلة أو روح الأعز والأذل، وهو المنطق الذى قاومه النبى طيلة حياته، وأراد أن يضع بدلا عنه المنطق الإنسانى العام.

أما ذهابه إليهما للتحالف معهما فيكشف أنه كان براجماتياً بحق، ولم يكن بداخله عداء للهاشميين، بل المصلحة.

ولم تكن مساعى أبى سفيان خافية، لذا نجد عمر بن الخطاب ينصح أبا بكر بإعطائه شيئا للتخلص من ازعاجه، فكان أن تولى ابنه يزيد إمارة فى منطقة بالشام ومعه معاوية مساعدا له، ولما مات تولى معاوية مكانه.

باختصار كان أمر الدين للديان، وأمر السياسة والدولة للساسة ورجالها حتى لو كانوا من كبار الصحابة وأهل البيت.

السابق تدشين مبادرة "أبدأ بنفسك" لتنظيف وتجميل شوارع حي السويس
التالى المحتجون بالعراق يحرقون مدخل ضريح بمدينة النجف