أخبار عاجلة

علاقات غير مرئية.. فيلم «موعد على العشاء»

علاقات غير مرئية.. فيلم «موعد على العشاء»
علاقات غير مرئية.. فيلم «موعد على العشاء»

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
علاقات غير مرئية.. فيلم «موعد على العشاء», اليوم الأربعاء 14 أغسطس 2019 03:24 مساءً

في فيلم «موعد على العشاء» لمحمد خان، سيناريو وحوار بشير الديك، 1980، تنشأ علاقة بين نوال (سعاد حسني)، الزوجة التي لا تحب زوجها عزت (حسين فهمي)، رجل الأعمال العصامي الذي تزوجته بتحريض من أمها (زوزو ماضي) بعد وفاة أبيها، وبين شكري (أحمد زكي) كوافيرها الخاص.

الكوافير الشاب هو الذي بدأ بالعلاقة، وإن كانت من جانب واحد، عبر علاقته بشعرها، ومراقبته بكاءها وتعاطفه معها بسبب علاقتها غير السوية مع زوجها. خلال هذا البكاء والاستغراق في أحزانها، ينسج الكوافير بأصابعه شبكة من المشاعر الملموسة وغير الملموسة حول داخلها الحزين، حتى وإن لم تلتفت لها نوال في البداية. الشَّعر

الكوافير الشاب هو الذي بدأ بالعلاقة، وإن كانت من جانب واحد، عبر علاقته بشعرها، ومراقبته بكاءها وتعاطفه معها بسبب علاقتها غير السوية مع زوجها. خلال هذا البكاء والاستغراق في أحزانها، ينسج الكوافير بأصابعه شبكة من المشاعر الملموسة وغير الملموسة حول داخلها الحزين، حتى وإن لم تلتفت لها نوال في البداية. الشَّعر هنا مجاز للشيء الطيني، مادة الخلق الأولى في المرأة القابلة للتشكل.

                                             ***
تنفصل نوال عن زوجها، ثم تموت أمها وهي تقوم بتصفيف شعرها في محل الكوافير نفسه. تتكرر حجج شكري، الكوافير الشاب، لزيارتها في بيتها. هذا الإصرار على زيارتها مرتين في بيتها يكشف ثقته بالمكانة التي يحوزها داخل نوال. وبالفعل في الزيارة الثانية، تستيقظ هذه الشبكة التي نسجها بداخلها، كأنها تذكرت أخيرا ملمس أصابعه بداخلها، وتنزل معه لتوصله لبيته بسبب المطر المنهمر في الخارج.

                                          ***
وداخل العربة يفضي لها بحكاية حياته كفنان، وتخرجه من كلية الفنون الجميلة، وحبه للرسم، ويُريها "بورتريه" لها رسمه من الذاكرة، ويقوم أيضا بتغيير "فورمة" شعرها بعدة لمسات بسيطة بأصابعه، وهي مستسلمة له تماما، كأنها يد نحات يشكل تمثالا. لحظة خلق تتم داخل العربة، وفي خلفيتها المطر، وخروج تلك الشخصية الجديدة لنوال مجازا عبر تغيير فورمة شعرها. الشعر هو مجاز الطين، أو المادة الخام للتزاوج مع موهبة الأصابع.

هذه الولادة لشخصية نوال الجديدة تتم عبر العلاقة الجسدية التي تتخذ من الأصابع والشعر رمزين لها، وبعدها يتخطيان الكثير من الحواجز الطبقية والمجتمعية بينهما، ويتصرفان كحبيبين، يذهبان معًا للتسوق على أمل أن يعودا لشقتها ويجهزا وجبة مشتركة في بيتها، لتأكيد هذا الحب الوليد، ولكنه سيجهض لوجود عزت، زوجها السابق الذي يريد ردها، في البيت، وتسلله دون علمها، لشكه في علاقة تجمعها بالكوافير الشاب.
                                           ***
عندما أراد عزت الانتقام من شكري، قام بتكسير أصابعه التي تكمن فيها موهبته وقوة الخلق، وقدرتها على الولوج إلى أعماق شخصية نوال، عبر الشعر، ومجازا عبر الفن. كأن ذكورة شكري تكمن في هذه الأصابع، وقيام زوج نوال السابق بتكسيرها دليل على إخصائه، وأن هذه العلاقة لن تتم، وهو ما يحدث بالفعل.
                                           ***
تحتفظ مهنة الكوافير في الفيلم بكل جوانبها الذكورية، أو بمعنى ما، تظهر في شكل الشخص المتفهم لطبيعة المرأة الداخلية من خلال علاقته بجزء مهم وحميم في جسمها، ومن خلال هذا الفهم يقوم بالسيطرة عليها، من خلال علاقة تبادلية.
                                          ***
في فيلم "فانتوم ثريد" Fantom Thread للمخرج الأمريكي بول توماس أندرسون، 2017، بطولة دانيال دي لويس، الذي يقوم بدور مصمم أزياء لندني ذاعت شهرته في الخمسينيات، وعلاقته بجسد إحدى عارضاته، التي اختارها بنفسه، لأن بطنها صغير، من خلال لمسات أصابعه المرئية واللا مرئية على جسدها. ثم تنشأ بين المصمم وعارضته علاقة جاذبية متبادلة تصل إلى حد الجنون من طرف العارضة عندما فكر في أن يتخلى عنها، بعد أن صنعها، وأصبح جسدها نموذجا/ قالبا جماليا يصب فيه موهبته وقوة خلقه. تشبه أسطورة النحات الإغريقي بجماليون الذي يحب تمثاله الذي نحته "جالاتيا"، ويهبه من روحه، فالسيطرة الذكورية هنا تعادلها حياة جديدة ممنوحة لهذا التمثال ما كانت ستكتب لها لولا هذا التحول وقوة الخلق الكامنة في يد وروح النحات.
                                    ***
ربما لا توجد في فيلم "موعد على العشاء" "هيمنة ذكورية" بالمعنى الفيمنستي، ولكن هناك حضورا ذكوريا يُحمل على موهبة الخلق، فتتوارى السيطرة خلف الموهبة، أو خلف قوة فعل الخلق المتمثل في تصفيف الشعر الذي يتحول إلى عمل مبدع، شيء أقرب للفن، يزحزح قليلا مفاهيم السيطرة والعدالة والمساواة.
                                ***
بشكل عام، هناك قدر من التحكم/ السيطرة في مهنتي الكوافير ومصمم الأزياء، الاثنان يشكلان/ يصوغان قالبا سابقا/ لاحقا يدخل فيه الآخر/ المرأة تبعا لقوة وجمال وجنون وإبداع هذا القالب. والشيء الذي يغفر هذه السيطرة، وتستسلم له المرأة/ الآخر، هو الخلق الجديد الذي تدخل فيه، وتدفع جزءا من حريتها في سبيله.
                             ***
خلال الفيلم الذي يدور في الإسكندرية، في بداية الثمانينيات، الزمن الماسخ للإسكندرية، وبداية عصور التحول المعماري في مصر كلها، لا يتغزل المخرج في الإسكندرية الكوزموبوليتانية، بل يستعير بعض عناصرها الوجودية الثابتة، كالبحر والمطر. ربما خلفية المطر المستمر خلال الفيلم هي الرابط الثقافي للمدينة والسمة الوجودية المميزة لها.

لا توجد أي استعارة ثقافية للمدينة، بل مدينة مشفاة على العظم، تتقشر الحياة من حول الأبطال فيشعرون بوحدتهم العميقة كشكري ونوال والأم وعزت، وربما هو مفهوم المدينة عند خان، خالٍ من التحميل الثقافي، بل محمل بنفسية أبطاله وقلقهم، وطرق دفاعهم عن حياتهم أمام الظلم أو الفساد. لينتهي الفيلم بمأساة موت جماعي، أو فناء جماعي، والتي ربما تبشر ببعث جديد.

  ***

عندما يأتي الخبر لنوال بموت أمها في محل الكوافير، تقطع رحلتها لملاقاة أمها جريا في شوارع الإسكندرية، ومعها زوج الأم المرتقب وفي يده فستان الفرح. في رحلة الموت هذه يعبران بقلب الإسكندرية، ولكن من ناحية الفن، تعبر نوال برصيف طويل ملغم بمجموعة من السينمات، في البداية كافيتريا "على كيفك"، ثم سينما ريتس التي تحولت إلى ملاهي السندباد، ثم سينما راديو، وسينما فريال، ويتخلل السينمات حلواني سعيد الفيومي، ومطعم مصطفى جاد، ومحل الخردوات الواسع الذي كنا نعبر أمامه في الأعياد، وتخطف أبصارنا صفوف البرطمانات الزجاجية المعبأة بالملبس والبونبوني، والشوكولاتة، وغيرها، لتصل نوال إلى نهاية الرصيف من ناحية جامع إبراهيم، وتدلف في محل كوافير "علام" الذي ما زال موجودا حتى الآن.  

السابق «الصحة» تدعو المواطنين للمشاركة في مبادرة «صحتنا في أسلوب حياتنا»
التالى السيسي يعلن 9 توصيات في ختام المؤتمر الوطني السابع للشباب