أخبار عاجلة
شادي موسى أسير دمّر الاحتلال حلمه في تكوين أسرة -

قراءة في حياة علي عزت بيجوفيتش.. الحرب والسلام – الجزء الثاني

تحدّثنا في المقال السابق عن رحلة الكفاح الطويلة التي خاضها علي عزت بيجوفيتش ضد الأفكار الشيوعية وحرية الاعتقاد، ورأينا كيف وصل إلى رئاسة جمهورية البوسنة والهرسك الاشتراكية سنة 1990 بعد سنوات طويلة من النضال بالكتابة، والسَجن بين القضبان.. وسنكمل حديثنا اليوم عن حياة هذا الرجل الاستثنائي كرئيس للبوسنة والهرسك، وسنرى كيف تعامل مع واحدة من أفظع الحروب في القرن العشرين.

قراءة في حياة علي عزت بيجوفيتش الرئيس البوسني والمفكر الراحل – الجزء الأول

بدايةً: نظرة عامة على آخر أيام يوغوسلافيا

كانت جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية الاشتراكية تعاني بِحقّ في فترة الثمانينات -كغيرها من الدول الاشتراكية- فقد كان نظامها الاقتصادي يتخبّط وسط هزائمه الكثيرة وديونه الكبيرة.. وقد أدّى الانهيار الاقتصادي المحتوم إلى نزع الغطاء عن المشاكل السياسية، العرقية والقومية التي كانت مدفونة طوال عقود من الزّمن داخل حدود يوغوسلافيا.

نظام الحزب الواحد الذي كان يحكم الدول الاشتراكية بقبضة من حديد سقط في مطلع تسعينيات القرن الماضي، فصعدت أسماء جديدة تحمل أفكارًا مختلفةً عمّا ينصّ عليه الفكر الشيوعي، ومن بين هذه الأسماء: علي عزت بيجوفيتش المُعلَن رئيسًا لجمهورية البوسنة والهرسك الاشتراكية سنة 1990.

بالنسبة لهذا الرجل وعدد من الرؤساء الجدد للكيانات المشكّلة ليوغوسلافيا (البوسنة والهرسك، كرواتيا، سلوفينيا، صربيا، الجبل الأسود، مقدونيا)، المشكل الرئيسي في يوغوسلافيا هي غياب التكافؤ والتساوي بين الدول المُشَكِّلة لهذا الاتّحاد فيما يتعلّق بمقدار السلطة الممنوحة لكل كيان فيما يخصّ المشاركة في تقرير المصير العام (مصير يوغوسلافيا ككل) أو المصير الخاص (مصير كل دولة على حدة).. يقول علي في مذكّراته:

إنّ السّيطرة الصّربية على الاتّحاد قد تمّ وضعها في أساس الاتّحاد اليوغوسلافي منذ قيامه، وإذ أنّ شعوب الاتّحاد لم تكن على قدم المساواة فإنّ يوغوسلافيا لم تستطع البقاء، والمشكلة هي أنّ مجرّد ذكر المساواة كان بمثابة إهانة للصّرب الذين كانوا يعتقدون أنّهم أوجدوا يوغوسلافيا وأنّها لهم وحدهم.

ونتيجة للخلافات العديدة التي انبثقت بين السّياسيين الممثّلين للدول السّتة المشكّلة ليوغوسلافيا، قامت كل من كرواتيا وسلوفينيا ومقدونيا باستفتاءات شعبية للاستقلال، وقد صوّتت الشعوب لصالح الانفصال، فأعلنت بذلك هذه الدول الثلاثة استقلالها سنة 1991، وبدأ تفكّك كيان يوغوسلافيا واندلعت نار الفتنة بين الأعراق المشّكلة له.

علي عزت بيجوفيتش في قلب المعركة

استقلال البوسنة والهرسك

لم يكن علي عزت بيجوفيتش ليرضى بالبقاء داخل حدود يوغوسلافيا بعد استقلال جيرانه، فأقام هو أيضًا استفتاءً لشعبه في شهر فبراير من عام 1991، وكانت النتيجة لصالح الانفصال بأغلبية ساحقة.

الاستقلال أمر جيّد، لكنّ الأمور لا تسير دومًا كما نرجو.

اشتعلت الفتنة سريعًا داخل البلدان المستقلة بسبب الصراعات العرقية وسط الشعوب، فرغم أنّ يوغوسلافيا جمعت بين العديد من الأعراق داخل حدود موحّدة لما يقارب 70 سنة، إلاّ أنّها لم تستطع أن تدمجهم حقًا، وبقيت كل فئة ملتفّة حول نفسها في إطارٍ جغرافي خاص.

مثلًا، في البوسنة والهرسك هناك ثلاثة أعراق مختلفة: البوشناق المسلمون، الصرب الأرثوذكس والكروات الكاثوليك، ولكل مجموعة ممثّلين سياسيّين خاصّين بها في مجلس الرّئاسة للبوسنة والهرسك، فلم تكن هذه المجموعات تعتبر نفسها جزءًا من دولة واحدة بل كانت تنظر إلى نفسها ككيان منفصل تمامًا يمتلك مصالح ومطالب مختلفة عن غيره، وقد تجلّى هذا مثلًا في رفض صرب البوسنة المشاركة في استفتاء الاستقلال.

حرب البوسنة

علي عزت بيجوفتش

في الثالث من شهر مارس سنة 1992، أعلن الرئيس علي عزت بيجوفيتش استقلال جمهورية البوسنة والهرسك رسميًا عن يوغوسلافيا، وفي الثاني من شهر أبريل رحّب المذيع سناد حجي فيزوفيتش بمستمعيه قائلًا:

مساء الخير، هذه هي الحرب.

يقول علي في مذكّراته:

بدأ العدوان على البوسنة والهرسك في الأول من أبريل عندما واجهت وحدات شبه عسكرية من صربيا مدينة “بيليينا”، والعديد يعتبرون أنّ الحرب قد بدأت دون سابق إنذار عندما قامت قوات الاحتياط والمتطوّعون من صربيا والجبل الأسود بغزو البوسنة، حيث انضمّت تلك القوات رسميًا إلى الجيش اليوغوسلافي في تيتو غراد وأوجيتسه.

رغم اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بالدولة الوليدة، إلاّ أنّ الجيش الشعبي اليوغوسلافي والمتطوّعين من صرب البوسنة لم يجدوا مانعًا من مهاجمة العديد من المناطق المأهولة بالبوشناق، وفرضوا حصارًا تاريخيًا على العاصمة سراييفو، فانطلقت بذلك سلسلة دموية من التصفية العرقية ضد المسلمين في دولة البوسنة والهرسك، واندلعت أشرس الحروب بعد الحرب العالمية الثانية!

مجزرة سريبرنيتشا

مجزرة سريبرنيتشا

كان صرب البوسنة يهاجمون المناطق المدنية بلا رحمة، ولم يكن في أيدي الشعب الأعزل سوى النّزوح واللجوء إلى المناطق التي يُرجى فيها الأمان، وبهذه الطريقة تمكّن الجنود الصرب والجيش اليوغوسلافي من الاستيلاء على حوالي 70% من مساحة البوسنة والهرسك بحلول سنة 1994.

استمرّ الحصار على سراييفو ثلاث سنوات ونصف (من 1992 إلى 1996) ليكون هو أطول حصار يُفرض في التاريخ الحديث، وتأذّى كروات البوسنة من هجومات الصرب فاستعانوا بالحكومة الكرواتية التي أمدّتهم بالقوة والعتاد للحفاظ على مناطقهم في البوسنة، وبهذا انضمّ الكروات إلى أطراف الصراع.

دولة البوسنة والهرسك كانت فتيّة آنذاك ولم يكن لها جيش وعتاد بما للكلمة من معنى، وكانت غير قادرة على التصدي لكل الأخطار التي تحيط بها خصوصًا وسط الصمت الدّولي الشنيع الذي استغرق وقتًا طويلًا مات خلاله ما يقارب مئة ألف من الأبرياء، واغتُصبت أكثر من عشرين ألف امرأة، وشُرِّد حوالي مليوني شخص.

في شهر يوليو 1995، شهدت مدينة سريبرنستشا إبادة جماعية وحشية قام بها الصرب ضد هذه المدينة التي كانت تقطنها أغلبية مسلمة وكانت تصنّف كـ “منطقة آمنة” من طرف الأمم المتحدة، وذلك بعد أن سلّمت المدينة أسلحتها لتتم حمايتها من طرف الفرق الهولندية التابعة لقوات حفظ السلام.. القوات التي سلّمت من لجأ إليها إلى الجنود الصرب.

مجزرة سريبرنستشا البشعة خلّفت ثمانية آلاف قتيل والكثير من النساء اللواتي اغتُصبن خلال الإبادة وبعدها، واحتلّ بذلك هذا التطهير العرقي المرتبة الأولى في الشّناعة بعد جرائم الحرب العالمية الثانية.

اتّفاقيات دايتون

في شهر أغسطس من عام 1995، تدخّل حلف الناتو -أخيرًا- في ميادين البوسنة والهرسك وقاد عدّة غارات جوية ضد مواقع الجماعات المسلّحة لصرب البوسنة، وفي 14 سبتمبر تمّ تعليق هذه الهجومات لفتح مجال الحوار أمام أطراف الصراع، وقد نجح ذلك بالفعل إذ تمّ التوصل إلى اتّفاقية سلام مبدئية يوم 25 سبتمبر 1995 في نيويورك تمّ بموجبها إعلان وقف إطلاق النار لمدة 60 يومًا، لتنطلق بعدها مفاوضات السلام في دايتون (الولايات المتحدة الأمريكية) في شهر نوفمبر بحضور رئيس جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية ورئيس جمهورية كرواتيا وعلي عزت بيجوفيتش رئيس البوسنة والهرسك الذين وقّعوا على النّص المبدئي للاتّفاقيات أثناء مؤتمر دايتون، ثم أنهوا سلسلة المفاوضات باتّفاق سلام نهائي وقّعوا عليه يوم 14 ديسمبر 1995 في باريس (فرنسا).

من أهمّ ما جاء في هذه الاتفاقيات هو الحفاظ على وحدة أراضي البوسنة، وتقسيمها سياسيًا إلى قسمين: اتحاد البوسنة والهرسك ذو الطابع الفيدرالي والذي يجمع البوشناق والكروات، وجمهورية صرب البوسنة. كما نصّت اتفاقية دايتون على تشكيل مجلس رئاسة بوسني ليتولّى رئاسة دولة البوسنة والهرسك بدل تعيين رئيس مباشر، ويتشكل مجلس الرئاسة من ممثّل منتخب عن كل فئة (البوشناق، الكروات والصرب) يتداولون الحكم طوال عهدة رئاسية تدوم 4 سنوات، على أن يترأّس المجلس صاحب أكبر عدد من الأصوات.

من هو جزار البوسنة المحكوم عليه اليوم بالسجن مدى الحياة لقتله 8000 مسلم؟

النهاية..

فاز علي عزت بيجوفيتش في الانتخابات الرئاسية التي أُجريَت في سبتمبر 1996، فانضمّ إلى مجلس الرئاسة ممثِّلًا لمسلمي البوسنة.

وعند انتهاء عهدة ذلك المجلس الرئاسي سنة 2000، قرّر علي عزت بيجوفيتش اعتزال السياسة، وكان في تلك الفترة مصابًا بمرض القلب.

توفي الرئيس والمفكّر والفيلسوف علي عزت بيجوفيتش في مستشفى سراييفو المركزي نتيجة ضعف في حالة قلبه وحدوث نزيف دموي في الرئتين وذلك يوم 19 أكتوبر 2003 عن عمر يناهز 78 سنة، تاركًا خلفه إرثًا فكريًا قيّما في الموروث الثقافي الإسلامي والعالمي (أهم كتبه: الإسلام بين الشرق والغرب، هروبي إلى الحرية)، ومسيرةً فذّةً قلّ من يحتفي بمثلها.

أهلاً بالربيع… بعيون شعوب العالم! إخلاء المسؤولية

المقال "قراءة في حياة علي عزت بيجوفيتش.. الحرب والسلام – الجزء الثاني" لا يعّبر بالضرورة عن رأي فريق تحرير أراجيك.

السابق عندما تصبح مصارعة الأفكار الانتحارية جزءًا من يومك!
التالى إحمي حسابك على واتساب من الاختراق عبر هذه الخطوات الضرورية