تُعد الهرمونات بمثابة “الرسل الكيميائية” التي تضمن تناغم الأداء داخل جسد الكائن الحي. فهي لا تعمل بشكل عشوائي، بل هي محفزات دقيقة تمتلك القدرة على تغيير وتيرة العمليات الحيوية داخل الخلية، سواء برفع كفاءتها وسرعتها أو بضبطها وكبح جماحها، وذلك لضمان توازن البيئة الداخلية (Homeostasis).
آلية التأثير: كيف تتحكم الهرمونات في السرعة؟
تعتمد سرعة أي عملية خلوية غالباً على نشاط الإنزيمات أو توفر المواد الخام داخل الخلية. وتتدخل الهرمونات لتعديل هذه السرعات عبر مسارين رئيسيين:
التعديل المباشر لنشاط الإنزيمات: يمكن لبعض الهرمونات أن ترتبط بمستقبلات خلوية تؤدي فوراً إلى تفعيل أو تثبيط إنزيمات موجودة بالفعل. هذا النوع من التأثير يمتاز بالسرعة الفائقة، مثل استجابة “الكر والفر”.
التحكم في التعبير الجيني: تعمل هرمونات أخرى (مثل الهرمونات الستيرويدية) على دخول نواة الخلية مباشرة لتحفيز أو منع تصنيع بروتينات وإنزيمات جديدة، مما يؤدي إلى تغيير طويل الأمد في سرعة التمثيل الغذائي أو النمو.
زيادة سرعة العمليات الخلوية
عندما يحتاج الجسم إلى طاقة إضافية أو نمو سريع، تفرز الغدد هرمونات تعمل كمسرعات حيوية:
هرمون الأدرينالين: عند التعرض لضغط مفاجئ، يسرع الأدرينالين عملية تحلل الجليكوجين إلى جلوكوز في الكبد والعضلات، مما يوفر طاقة فورية للخلية لمواجهة الموقف.
هرمونات الغدة الدرقية (الثيروكسين): تُعرف بأنها “منظم السرعة” العام للجسم؛ فهي تزيد من معدل التنفس الخلوي واستهلاك الأكسجين، مما يرفع من سرعة إنتاج الطاقة (ATP) في جميع خلايا الجسم تقريباً.
هرمون الإنسولين: يعمل على زيادة سرعة امتصاص الجلوكوز من الدم وإدخاله إلى الخلايا، كما يسرع من عمليات بناء البروتين وتخزين الدهون.
- الاجابة : صواب.
تقليل سرعة العمليات الخلوية
على الجانب الآخر، يعمل الجسم أحياناً على إبطاء العمليات الخلوية لتوفير الموارد أو لحماية الأنسجة:
هرمون الجلوكاجون: في حالات الصيام، يقوم الجلوكاجون بتقليل سرعة تصنيع الدهون وتخزين الجلوكوز، ويوجه الخلية بدلاً من ذلك إلى تكسير المخزون، وهو ما يعتبر كبحاً لعمليات البناء (Anabolism).
هرمون السوماتوستاتين: يعمل هذا الهرمون كمثبط عام، حيث يقلل من سرعة إفراز هرمونات أخرى مثل هرمون النمو والإنسولين، مما يبطئ من وتيرة العمليات الهضمية والتمثيلية.
الكورتيزول (في حالات معينة): قد يعمل الكورتيزول على تقليل سرعة استجابة الجهاز المناعي وتقليل وتيرة انقسام الخلايا اللمفاوية للسيطرة على الالتهابات المفرطة.
التغذية الراجعة وتوازن السرعة
لا تستمر الهرمونات في تسريع أو إبطاء العمليات إلى مالا نهاية؛ بل تخضع لنظام “التغذية الراجعة السلبية”. فعندما تصل سرعة العملية الخلوية إلى الحد المطلوب، يرسل الجسم إشارات للغدة المعنية للتوقف عن إفراز الهرمون أو إفراز هرمون مضاد له، مما يضمن بقاء الخلية في حالة من الاستقرار الديناميكي.
إن هذا التباين في التأثير الهرموني يثبت أن الخلية ليست مجرد مصنع يعمل بسرعة ثابتة، بل هي وحدة مرنة تستجيب بذكاء للرسائل الكيميائية التي تأمرها بالإسراع في البناء أو التمهل في الاستهلاك.
