تُعدّ عبارة «لكلِّ شيءٍ إذا ما تمَّ نُقصانُ» من أشهر الحكم العربية التي تختصر تجربة إنسانية عميقة في كلمات قليلة. وهي شطرٌ من بيت شعري يُنسب إلى الإمام الشافعي رحمه الله، ويُستشهد به للتعبير عن حقيقة كونية مفادها أن الكمال لا يدوم، وأن كل أمرٍ يبلغ ذروته لا بد أن يطرأ عليه التغيّر والنقصان.
المعنى اللغوي والبلاغي
يحمل القول معنى واضحًا وبليغًا؛ فـ«تمّ» تعني بلغ الكمال، و«نقصان» تعني التراجع أو الزوال الجزئي. والجملة تُقرّر قانونًا عامًا للحياة: ما إن يكتمل الشيء حتى يبدأ في الانحدار. وقد صيغت العبارة بأسلوب حكمي موجز، مما أكسبها قوة التأثير وسهولة التداول.
الدلالة الفكرية والفلسفية
تعكس الحكمة فهمًا عميقًا لطبيعة الدنيا القائمة على التغيّر وعدم الثبات. فلا غنى دائم، ولا قوة مستمرة، ولا صحة خالدة. وهذه الرؤية تُنمّي في النفس التواضع عند النجاح، والاتزان عند الشدائد، إذ تذكّر الإنسان بأن الأحوال متقلّبة.
في واقع الحياة
نرى تطبيق هذه الحكمة في مجالات شتى:
في الدول والحضارات: تزدهر الأمم ثم تضعف إذا أهملت أسباب القوة.
في الإنسان: تبلغ الصحة أوجها ثم تضعف مع الزمن إن لم تُراعَ.
في المال والجاه: قد يصل الإنسان إلى قمة الثراء أو المنصب، ثم يتراجع إن غاب التخطيط والحكمة.
البعد التربوي والأخلاقي
تُعلّمنا هذه العبارة ألا نغترّ بما نحن فيه، وأن نستعد دائمًا للتغيّر. كما تحثّ على شكر النعم قبل زوالها، واستثمار أوقات القوة والنجاح فيما ينفع، لأن الدوام لله وحده.
تبقى مقولة «لكلِّ شيءٍ إذا ما تمَّ نُقصانُ» درسًا خالدًا في فهم سنن الحياة، ودعوةً إلى الاعتدال والحكمة. فهي تذكير رقيق بأن الكمال المطلق ليس من شأن البشر، وأن الوعي بهذه الحقيقة يمنح الإنسان سلامًا داخليًا وقدرةً أفضل على مواجهة تقلبات الأيام.
