تُعد حادثة وضع الحجر الأسود واحدة من أبرز الشواهد التاريخية على رجاحة عقل النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعمق أمانته، وهي الحادثة التي تجلت فيها مكانته الصادقة بين قومه حتى قبل أن يجهر بالدعوة، لكنها استمرت كمنهج حياة أكده بعد البعثة.
إليك استعراض تعليمي لهذه الصورة المضيئة من صور الأمانة النبوية:
سياق الحادثة: بيت الله يجمع الشمل
عندما بلغت قريش في بناء الكعبة الموضع الذي يُوضع فيه الحجر الأسود، دبّ الخلاف بين قبائل مكة. كل قبيلة كانت ترى نفسها الأحق بنيل شرف وضع الحجر في مكانه، حتى وصل الأمر إلى حد التهديد بالحرب وسفك الدماء. استمر هذا النزاع ليالٍ عدة، حتى اقترح “أبو أمية بن المغيرة” أن يحكم بينهم أول من يدخل من باب المسجد.
“جاء الأمين”: شهادة الخصوم قبل الأتباع
شاء القدر أن يكون الداخل هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. وبمجرد أن رأوه، هتف الجميع بصوت واحد: “هذا الأمين، رضينا به، هذا محمد”.
هذه الشهادة الجماعية لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت نتيجة عقود من المعاملات الصادقة. وتتجلى أمانته هنا في عدة نقاط:
النزاهة والموضوعية: لم ينحز النبي صلى الله عليه وسلم لقبيلته (بني هاشم)، بل بحث عن حل يُرضي الجميع ويحفظ دماء العرب.
الأمانة في تقديم الحل: اقترح وضع الحجر في وسط رداء، ثم أمر ممثلي القبائل المتنازعة بأن يمسكوا جميعاً بأطراف الرداء ويرفعوه.
المسؤولية المباشرة: عندما وصلوا إلى موضع الحجر، تناوله بيده الشريفة ووضعه في مكانه، فجمع بين إشراك الجميع وبين إنهاء الفتنة بلمسته المباركة.
- الاجابة : خطأ.
أمانة النبي بعد البعثة: الثبات على المبدأ
على الرغم من أن هذه الحادثة سبقت البعثة بمدة قصيرة، إلا أن أمانته صلى الله عليه وسلم بعدها كانت الامتداد الطبيعي لهذا الحدث. فبعد أن نزل عليه الوحي وبدأ يعادي الأصنام التي تقدسها قريش، لم يجد كفار مكة أحداً يؤمنونه على أموالهم وودائعهم غيره.
لقد كانت قريش تحاربه في العقيدة والدين، لكنها كانت تسلمه “مفاتيح بيوتها” وكنوزها لعلمهم اليقيني بأنه لا يخون.
يقول المستشرقون والمؤرخون: إن أعظم برهان على صدق نبوته هو بقاء ودائع أعدائه عنده حتى ليلة الهجرة، حيث أمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالبقاء في مكة لردّ تلك الأمانات إلى أصحابها الذين كانوا يخططون لقتله في تلك اللحظة.
الدروس المستفادة من أمانته في حادثة الحجر
الأمانة ليست مجرد حفظ للمال: بل هي أمانة في الكلمة، وفي الإصلاح بين الناس، وفي إعطاء كل ذي حق حقه.
العدل أساس القيادة: القيادة الناجحة هي التي تستطيع نزع فتيل الأزمات بحلول مبتكرة تجعل الجميع يشعر بالفوز.
الأخلاق سلاح الدعوة: لولا “الأمين” لما استمعت قريش للرسالة؛ فالسمعة الطيبة هي التمهيد الحقيقي لأي فكرة عظيمة.
