ما اخس من قديد الا عسفان

ما اخس من قديد الا عسفان

لطالما اختصرت الأمثال الشعبية تجارب الشعوب في جملة قصيرة، ومن بين هذه الأمثال يبرز قولهم “ما أخس من قديد إلا عسفان”. هذا المثل ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو توصيف دقيق لحالة يجد فيها الإنسان نفسه مضطراً للاختيار بين أمرين، ليكتشف أن كلاهما يحمل من السوء ما يفوق الآخر، أو أن البديل لم يكن أفضل حالاً من الأصل.

ما اخس من قديد الا عسفان

القصة وراء المكان: لماذا قديد وعسفان؟

يرتبط المثل ببعد جغرافي وتاريخي حقيقي. فمنطقتي قديد وعسفان تقعان على طريق الهجرة قديماً بين مكة المكرمة والمدينة المنورة. ويُحكى أن المسافرين في العصور القديمة كانوا يعانون من مشقة الطريق وصعوبة التضاريس في هاتين المنطقتين تحديداً.

قديد: منطقة عُرفت بحرارتها الشديدة وتضاريسها المجهدة للمسافرين.
عسفان: تليها في الطريق، وكان المسافر يظن أن بتجاوز قديد قد انتهت معاناته، ليفاجأ بأن عسفان لا تقل عنها صعوبة بل ربما تزيد.
ومن هنا ولدت المقارنة؛ فالمسافر الهارب من تعب “قديد” يقع في فخ “عسفان”، ليصبح المثل أيقونة للتعبير عن الخيارات المخيبة للآمال.

متى نستخدم هذا المثل في حياتنا اليومية؟

لا يقتصر استخدام المثل اليوم على المسافرين بطبيعة الحال، بل انتقل ليكون رفيقاً للمواقف السياسية، الاجتماعية، وحتى الرياضية. ومن سياقات استخدامه:

عند المقارنة بين مسؤولين فشل كلاهما في تحقيق وعوده.
في حال ترك وظيفة متعبة والانتقال لأخرى يكتشف الموظف أنها أكثر سوءاً.
عند المفاضلة بين خيارين مرّين، حيث لا يوجد “أفضل” بل يوجد “أقل سوءاً”.

دلالات المثل في الوعي الشعبي

يُشير هذا التعبير إلى ذكاء لغوي في استخدام المقارنة. ومن المتوقع أن يستمر هذا المثل في التصدر لسهولة نطقه وعمق معناه. وفي سياق متصل، نجد أمثالاً مشابهة في مناطق أخرى مثل “أحمد وحاج أحمد” أو “كالمستجير من الرمضاء بالنار”، لكن يظل لـ “قديد وعسفان” خصوصية ترتبط بذاكرة المكان والحجاز تحديداً.

كيف توظف هذا المعنى في قراراتك؟

يُذكر أن فهم دلالات هذه الأمثال يساعدنا على تجنب “التفاؤل الساذج”. فبدلاً من الهروب العشوائي من وضع سيء، يجب دراسة البديل جيداً لكي لا نردد لاحقاً أننا وقعنا فيما هو “أخس”.

التريث: قبل الحكم على البديل بأنه المُنقذ.
البحث: جمع المعلومات عن الوجهة القادمة سواء كانت عملاً أو قراراً شخصياً.
الواقعية: تقبل فكرة أن بعض الخيارات في الحياة قد تكون كلها صعبة.

يظل مثل “ما أخس من قديد إلا عسفان” تذكيراً دائماً بأن التغيير ليس دائماً للأفضل ما لم يكن مبنياً على وعي ودراسة، لكي لا نخرج من حفرة لنقع في دحديرة، كما يقول مثل آخر.