تتعدد مناهج فهم النص القرآني وتتفاوت درجات دقتها، لكن علماء الشريعة وأصول التفسير يتفقون على قاعدة رئيسية: “القرآن يفسر بعضه بعضاً”. تُشكل هذه الطريقة المرتبة الأولى والأعلى بين طرق التفسير، حيث يعتمد المفسر على بيئة النص ذاته لاستخراج المعاني ودلالات الألفاظ دون الخروج عن الإطار المباشر للآيات.
لماذا يُعد تفسير القرآن بالقرآن المنهج الأصح؟
يرجع تقديم هذه الطريقة على غيرها إلى أن صاحب الكلام هو الأعلم بمراده. يُذكر أن الإمام ابن كثير وغيره من كبار المفسرين أكدوا أن ما جاء مجملاً في مكان من المصحف الشريف قد يأتي مفصلاً في موضع آخر، وما ورد مطلقاً قد يقيده نص قرآني ثانٍ.
تتجسد قيمة هذا المنهج في النقاط التالية:
رفع احتمال الخطأ البشري: تقليل الاعتماد على التأويلات الفردية أو الاجتهادات التي قد تجانب الصواب.
بيان المجمل وتفصيل العام: توضيح الأحكام والقصص الشاملة عبر آيات أخرى أوردت التفاصيل الدقيقة.
ضبط المصطلحات القرآنية: فهم اللفظ استناداً إلى الاستعمال القرآني الخاص به وليس فقط المعجم اللغوي العام.
تقييد المطلق وتخصيص العموم: ربط الآيات بعضها ببعض للوصول إلى الحكم الفقهي أو المعنى العقدي الدقيق.
كيف يطبق المفسر هذا المنهج عملياً؟
يحتاج التعامل مع هذا المنهج إلى استحضار شامل لآيات الذكر الحكيم، ومراعاة السياقات المختلفة للكلمة الواحدة. وفي سياق متصل، يتبع المفسر خطوات محددة للوصول إلى المعنى المراد:
مقارنة المواضع المتشابهة: جمع الآيات التي تتناول موضوعاً واحداً أو تشتمل على الألفاظ ذاتها.
مراعاة السياق والسباق: تتبع ما قبل الآية وما بعدها لمعرفة المقصد العام للخطاب.
البحث عن التفسير المباشر: استخراج الآيات التي تعقب السؤال أو الاستفهام وتجيب عنه فوراً.
الجمع بين العام والخاص: تقديم النص المخصص أو المقيد عند التعارض الظاهري بين النصوص.
نماذج تطبيقية للتفسير القرآني
تزخر السور القرآنية بأمثلة جلية يُفسر المحكم منها المعنى المستغلق في غيره:
سورة الطارق: يتساءل النص في قوله تعالى: “وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ”، ويأتي التفسير المباشر في الآية التالية فوراً: “النَّجْمُ الثَّاقِبُ”.
سورة الفاتحة: يدعو المسلم بقوله: “اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ”، وتوضح آية سورة النساء من هم هؤلاء: “فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ”.
تحريم الميتة: ورد تحريم الميتة والدم بشكل مطلق في بعض الآيات، بينما جاء تقييد الدم بالمسفوح والميتة بصور محددة في سور أخرى.
يُظهر الاعتماد على تفسير القرآن بالقرآن أن النص القرآني وحدة متكاملة يشد بعضها بعضاً. ولمن يرغب في التوسع ودراسة المعاني بأسلوب علمي متين، يُنصح بالبدء بالتفاسير التي اعتمدت هذا المنهج كمعيار أساسي، مثل “تفسير القرآن العظيم” لابن كثير، أو “أضواء البيان” للشنقيطي، للتعرف عن قرب على كيفية ربط الآيات واستخراج الأحكام من منابعها الأصيلة.
